الشيخ محمد رشيد رضا
127
الوحي المحمدي
وقد نص القرآن على ما جاء به من هذا الإصلاح هو ما أوحاه إلى إبراهيم أبى الأنبياء المعروفين الذين يدين اللّه بنبوتهم اليهود والنصارى ، وإلى موسى والأنبياء الذين كانوا من بعده على شرعه ، فقال تعالى : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [ النجم : 35 - 41 ] ، أي : أن أصل دين اللّه لجميع رسله أنه لا تحمل نفس وازرة - أي خاطئة - خطيئة نفس أخرى بفداء ولا غيره ، وأنه ليس للإنسان إلا سعيه وعمله فلا يجزى بعمل غيره . وقد يدخل في عموم عمله ما يكون سببا له كالذي يعمله ولده أو تلميذه بتأثير تربيته وتعليمه ، وما يسّنه من سنّة حسنة أو سيئة فله مثل جزاء من يعمل بهما من بعده . الأصل الجامع في ذلك قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 7 - 10 ] ، أي : إن اللّه الذي خلق هذه النفس وسواها بما وهبها من المشاعر والعقل ، قد جعلها بإلهام الفطرة والغريزة مستعدة للفجور الذي يرديها ويدسيها « 1 » ، والتقوى التي تنجيها وتعليها ، ومتمكنة من كل منهما بإرادتها ، والترجيح بين خواطرها ومطالبها ، ومنحها العقل والدين يرجحان الحق والخير على الباطل والشر ، فبقدر طهارة النفس وأثر تزكيتها بالإيمان ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال يكون ارتقاؤها في الدنيا وفي الآخرة والضد بالضد فالجزاء أثر طبيعي للعمل النفسي والبدني ولذلك قال تعالى : ( 6 : 139 سيجزيهم وصفهم ) وهذا هو الحق الذي يثبته من عرف حقيقة الإنسان ، وحكمة الديان ، وهو مما أصلحه القرآن من تعاليم الأديان . فإذا علمت ما كان من إنكار مشركي العرب للبعث والجزاء ، ومن فساد إيمان أهل الكتاب وسائر الملل في هذه العقيدة ، وعلمت أنها مكملة للإيمان باللّه تعالى ، وأن تذكرها هو الذي يقوى الوازع النفسي الذي يصد الإنسان عن الباطل والشر والظلم والبغى ، ويرغبه في التزام الحق والخير وعمل البر - علمت أن إصلاحها ما فعل العجل في شعب كبير إلا بتكرار التذكير بها في القرآن ، بالأساليب العجيبة التي فيها من حسن البيان ، وتقريب البعيد
--> ( 1 ) أصل معنى « دساها » : أخفاها مبالغة من دسه في التراب ، واستعملت هنا ضد زكاها . فإذا كان معنى زكاها : طهرها فأظهرها وأعلى قدرها ، فمعنى دساها : دنسها بما يدفن جميع مزاياهم كأنها ليست نفسا ناطقة . وأصل دساها دسسها قلبت السين الثانية ياء وله نظائر .